العيني
41
عمدة القاري
عشر طريقا كلها في بيان حجة من قال : لا يجب على من بعث بهدي أن يتجرد عن ثيابه ولا يترك شيء مما يتركه المحرم إلاَّ بدخوله في الإحرام ، إما بحج وإما بعمرة ، وقد مضى الكلام فيه مستقصىً في : باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ، وقد ذكرنا أنهم ردوا قول ابن عباس ، رضي الله تعالى عنه ، فيما ذهب إليه من قوله : ( إن من بعث بهديه إلى مكة وأقام هو ، فإنه يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم حتى ينحر هديه ) . وقال ابن التين : خالف ابن عباس ، رضي الله تعالى عنه ، في هذا جميع الفقهاء ، واحتجت عائشة بفعل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه ، ولعل ابن عباس ، رضي الله تعالى عنه ، رجع عنه . انتهى قلت : ابن عباس لم ينفرد بذلك ، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم . منهم : ابن عمر رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب وابن المنذر من طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر ، كان إذا بعث بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم إلاَّ أنه لا يلبي . ومنهم : قيس بن سعد بن عبادة ، أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيب عنه نحو ذلك . وروى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن علي بن الحسين عن عمر ، وعلي رضي الله تعالى عنهما ، أنهما قالا في الرجل يرسل ببدنته : إنه يمسك عما يمسك عنه المحرم ، وهذا منقطع . وقال الكرماني : فإن قلت : ما وجه رد عائشة على ابن عباس ؟ قلت : حاصله أن ابن عباس قال ذلك قياسا للتوكيل في أمر الهدي على المباشرة له ، فقالت له عائشة : لا اعتبار للقياس في مقابلة السنة الظاهرة . انتهى . قلت : لا نسلم أن ابن عباس قال ذلك ، قياسا ، بل الظاهر أنه إنما قاله لقيام دليل من السنة عنده ، ولم يقل ابن عباس هذا وحده ، كما ذكرناه الآن ، ألاَ يرى أن جماعة من التابعين وهم : الشعبي والنخعي والحسن البصري ومحمد بن سيرين ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وافقوا ابن عباس فيما ذهب إليه من ذلك ؟ واحتج لهم الطحاوي في ذلك من حديث جابر بن عبد الله ، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فقد قميصه حتى أخرجه من رجليه ، فنظر القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا وكذا ، فلبست قميصي ونسيت ، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي ، وكان بعث ببدنة وأقام بالمدينة ، وإسناده حسن ، وأخرجه أبو عمر أيضا . وفي هذا الحديث من الفوائد : تناول الكبير الشيء بنفسه ، وإن كان له من يكفيه إذا كان مما يهتم به ، ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع وأمور الديانة . وفيه : رد بعض العلماء على بعض . وفيه : رد الاجتهاد بالنص . وفيه : أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التأسي حتى تثبت الخصوصية . 011 ( ( بابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ ) ) أي : هذا باب في بيان تقليد الغنم . 1071 حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قال حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ أهْدَي النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَرَّةً غنَما . . مطابقته للترجمة من حيث إن من لوازم الهدي التقليد شرعا ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، والأعمش سليمان ، وإبراهيم النخعي والأسود ابن يزيد . وأخرجه مسلم في الحج أيضا عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب . وأخرجه أبو داود فيه عن هناد عن وكيع . وأخرجه النسائي فيه عن هناد وعن ابن بشار وعن إسماعيل بن مسعود . وأخرجه ابن ماجة فيه عن ابن أبي شيبة وعن علي بن محمد . واحتج الشافعي بهذا الحديث على أن الغنم تقلد ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب ، وقال مالك وأبو حنيفة : لا تقلد لأنها تضعف عن التقليد . وقال أبو عمر : احتج من لم يره بأن الشارع إنما حج حجة واحدة لم يهد فيها غنما ، وأنكروا حديث الأسود الذي في البخاري في تقليد الغنم ، قالوا هو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة . وقال بعضهم : ما أدري ما وجه الحجة منه ، لأن حديث الباب دل على أنه أرسلها وأقام ، فكان ذلك قبل حجته قطعا ، فلا تعارض بين الفعل والترك ، لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز ، ثم من الذي صرح به من الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، بأنه لم يكن في هداياه في حجته غنم حتى يسوغ الاحتجاج بذلك ؟ انتهى قلت : الهدي الذي أرسل به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنم